مطلوب قرار آخر يا معالي الوزير
لم يستطع معظم الصائمين الذين جلسوا الى مائدة الافطار غروب آخر أيام الأسبوع الماضي ان يتابعوا تناول طعامهم، وبعضهم «تشردق» وآخرون اصيبوا بـ«الحازوقة»، فيما بعضهم الآخر قد غُصَّ ولم يعد في مقدوره ان يبلع لقمته دون الاستعانة بشربة ماء.
حدث هذا عندما كان اللبنانيون يتابعون نشرة الأخبار التي تواكب موعد الافطار - وما أكثر الأنباء التي تسد النفس وتفشي الكآبة والوجوم في وجوه المشاهدين هذه الأيام - إلا ان هذا النبأ اصاب من معظم اللبنانيين مقتلاً، ان جاز التعبير، عندما اطل وزير التربية الوطنية والتعليم العالي الدكتور حسن منيمنة «يبشر» المواطنين بأن العام الدراسي الجديد تقدم بدؤه شهراً بالكامل، وانه سينطلق من الأول من أيلول.
لم يكن الاطفال والأولاد وحدهم الذين أصيبوا بالوجوم، وإن كانوا أكثر افراد العائلة حزناً وقلقاً، ذلك لأنهم لمجرد فتح سيرة المدارس أمامهم يهتاجون ويتذمرون، فهم منذ أوائل رمضان المبارك يمنون النفس بقضاء أيام عيد ممتعة كما وعدهم الأهل، ولكن كيف يهنأ لهم بال الآن وغرف الصفوف تستعد لاحتباسهم وهم لمّا ينعموا بعد بالعطلة الصيفية ولا بأيام العيد التي تنقضي بسرعة.
ولكل من هؤلاء همومه التي لا تضارع هموم الأهل الذين انزووا يجرون في ما بينهم «كشف حساب سريع» كما في آلة سحب النقود، الا أنهم في هذا الكشف يستطلعون جردة صرف النقود ولما يبقّ من راتب أيلول سوى ثمن طبخة العيد، بعد ان سددوا ما يتوجب عليهم للبقال والسمّان واللحام، سوى ما ادخروه واقتطعوه من مصاريف لا لزوم لها من أجل تأمين ملابس العيد لأولادهم.
لن تحلو سهرات الأهل بعد الآن، ولم يعد في وسعهم أن يتابعوا باسترخاء «باب الحارة» ولا «أهل الراية» وغيرهما فالبال مشغول بالاستحقاق الهابط عليهم فجأة بناء على رغبة الوزير الذي لم يمهد لهذه المفاجأة - غير السارة طبعاً - ولو قبل وقت كافٍ ليستعد الأهل لاستيعاب تداعيات هذا القرار وليتهيأوا له بمزيد من ضغط النفقات بعد ان كانوا يعتقدون ان العام الدراسي سيبدأ مطلع تشرين الأول المقبل.
لا تعجبوا إذاً فيما لو شاهدتم الآباء يكلمون أنفسهم بصوت عال وهم يرافقون أزواجهم لشراء ملابس العيد، يضربون أخماساً بأسداس ويختصرون عدد الملابس ويؤمون الأسواق الشعبية ويلحون في الجدال والمساومة، ويومئون الى أم العيال بالتخفيف من نفقات الضيافة في العيد: فنجان قهوة وكباية عصير ولا لزوم للحلويات والشوكولا، فلا وقت الآن للتنافس بين الأهل والأقرباء والاصدقاء على أنواع التقديمات، فالوضع لا يحتمل بعد قرار الوزير المفاجئ.
تخيلوا عائلة لديها خمسة أبناء موزعون على مستويات التعليم كافة، فهم يحتاجون إذا كانوا منتسبين الى المدرسة الرسمية الى أكثر من ثلاثة ملايين ليرة بدل رسوم مدرسية وكتب وقرطاسية وشنط، وراتب الأب لا يتجاوز نصف المبلغ المستحق عليه لتأمين دخولهم المدارس «الرسمية»، أما عن استحقاق المدارس الخاصة فحدث ولا حرج.
كان من الأجدى لو استتبع الوزير منيمنة قراره فتح المدارس في الأول من أيلول بقرار آخر هو من حق أبناء المدرسة الرسمية في ان يكون التسجيل مجاناً وكذلك الكتب واللوازم المدرسية، ما المانع؟
ان عدد طلاب المدارس الرسمية في مراحلها التعليمية من الروضة الأولى حتى نهاية المرحلة الثانوية لا يزيد على 400 ألف طالب، والمعدل الوسطي لكلفة الطالب: رسم تسجيل + كتب وقرطاسية يبلغ حوالى 250 دولاراً لكل طالب أي مائة مليون دولار، لا يشكل تأمينها أي كارثة مالية على الخزينة اللبنانية، وهي من حق هذا المواطن الذي آن له أن يحظى بالتعليم المجاني - فعلاً لا قولاً - وكما نصّت اتفاقية الطائف - أم ان أولي الأمر يترقبون نفحات خليجية كما هي العادة منذ ثلاث سنوات؟
العيد على الأبواب، وتليه أبواب المدارس، فمن لهذا الأب الدرويش الطيب الذي لم يعد يعلم كيف يتدبر أمر أولاده؟
هي مسألة أكثر من ملحة يا معالي الوزير، وعليك أن تعمل على اصدار القرار الذي ذكرناه آنفاً حتى يكون لقرارك فتح المدارس في أيلول بهجة واسترخاء في نفوس الأهل والأولاد ومع اطلالة هذا العيد.}
عبد القادر الأسمر