آلام حادثة برج أبي حيدر
في بعض الأحيان السياسة لا ترحم، فهي قادرة على ايجاد حقائق كبرى تفوق الحقائق المتداولة في شوارع وأزقة المدن والحارات والقرى الدساكر التي عادة ما تكون لصيقة بهموم الناس وآلامهم. وهذا ما ينطبق على أوضاع بيروت التي لا تزال رازحة تحت وطأة الاشتباك الذي وقع في برج أبي حيدر وامتد الى بعض أحياء العاصمة القريبة أو البعيدة عن هذا البرج.
حقائق الشوارع متبرمة من القوى السياسية التي تمتلك سلاحاً مستعملاً، كالسلاح الذي استخدم قبل نحو أسبوعين. وحقائق السياسة الكبرى تفيد بأن هناك استغلالاً سياسياً حصل لحادثة برج أبي حيدر بما يفيد أعداء السلاح المقاوم في داخل لبنان وخارجه. وفي مقدمة هؤلاء الكيان الصهيوني الذي لا يخفي ارتياحه لدى حصول أية مواجهة داخلية على الساحة اللبنانية، خصوصاً إذا كان أحد طرفيها «حزب الله»، بما يمثل من جهة معنية بالمقاومة ووجودها وأفقها المستقبلي. وينضم الى هذا الارتياح الصهيوني أطراف سياسية داخلية كامنة ومتربصة بالمقاومة وبسلاحها وراغبة في التخلص منها، أو على أقل تقدير راغبة في تقييد هذه المقاومة وتكبيل يديها، وذلك تحت عنوان «قوة لبنان في ضعفه» وهو الشعار الذي رفعه مؤسس حزب الكتائب الراحل بيار الجميّل في سبعينات القرن الماضي وذلك عندما أشتدت الاعتداءات الاسرائيلية على جنوب لبنان.
قد لا يتسنّى لأي كان تلمّس حجم الآلام المتبادلة في تلك الليلة الليلاء، فكل قيادي ونخبوي وسياسي واعلامي وحتى مواطن عادي لا بدّ له من أن يتأثر بحجم المعلومات التي ترده من إحدىالجهات ذات الصلة بحادثة الثلاثاء الشهيرة. لكن الحقيقة تقول بأن لكل طرف من أطراف تلك الحادثة آلامه الكبرى التي تقابل آلام الطرف الآخر غير المرئية. فالحادثة أوجدت جرحاً كبيراً لأهالي الشبان الذين سقطوا في أول الحادثة، وسقوطهم ضحايا في ذلك اليوم خسارة للوطن كله. والجراح التي فتحت في العديد من الأحياء في الساعات اللاحقة لانطلاق شرارة تلك الحادثة كبيرة أيضاً حيث روعت عائلات وأناس لا ناقة لهم ولا جمل في تلك الحادثة، وتضررت مبان ومؤسسات ومرافق عديدة. لكن الضرر الأكبر أصاب الوحدة الداخلية للمجتمع اللبناني والجزء الإسلامي من هذا المجتمع، حيث كان ينبغي ان ترتفع أصوات الجميع في الدعوة الى التعالي على الجراح المتبادلة كل من موقعه.
إن ساسة العاصمة وقادتها ونخبها المثقفة، واسلاميي العاصمة وعلماء الدين فيها، مدعوون أكثر من أي وقت مضى الى ان يكونوا كباراً في حساباتهم، وألا يخضعوا للحسابات الصغيرة التي قد تنتشر في الأزقة والزواريب. فوالله ان ما ينتظر هذه الأمة من كيد وتآمر وتخطيط معادٍ كبير وكبير جداً. فحرام علينا أن نسقط في الشرك الذي يرغب أعداؤنا ان نسقط فيه، ولنحذر كل الحذر كي نبقى أبناء الحقائق الكبرى بعيداً عن كل الأوهام التي قد تسمى «حقائق صغرى».}
أيمن حجازي