لماذا تخريب تركيا استكمالاً لتداعيات أحداث الربيع العربي؟
لعل ما جرى ويجري في الأقطار التي تعرّضت لموجات الحراك الشعبي، أو هبّت عليها نسمات «الربيع العربي» أمرها مفهوم ومعلوم، خاصة أنها تحوّلت أحياناً الى ثورات، والثورات تستدعي ردود فعل تستمر أحياناً سنوات، قد تؤدي بالنتيجة الى النجاح أو الفشل.. لكن الغريب هو أن أقطاراً أخرى مستقرة وتحكمها أنظمة ديمقراطية، وتعيش حالة نجاح اقتصادي وسياسي، بدأت تجتاحها موجات من الفوضى والاضطراب، من مجموعات أقلويّة لا تتجاوز المئات، دون أي سبب مقنع أو مبرّر اجتماعي أو اقتصادي.. اللهم إلا أنها تجاوبت مع نسمات الربيع العربي فقدّمت لأقطاره الدعم والمساندة، وأحياناً مجرد الترحيب والنصح السياسي والحياد الإعلامي.
أبرز هذه الأقطار في الشرق الأوسط هي تركيا، التي تعيش حالة استقرار سياسي واضح منذ بدايات القرن الحادي والعشرين (2002) حين أجرت انتخابات نيابية حرّة وشفافة، شهد بنزاهتها جميع المراقبين، لا سيما الأوروبيين.
كان أبرز الأحزاب التركية يومها «حزب العدالة والتنمية» الذي أطلقه طيّب رجب أردوغان (رئيس بلدية استامبول السابق)، بعد حل حزب الرفاه بزعامة نجم الدين أربكان واقصائه عن السلطة عام 1997، حوكم اردوغان يومها وأودع السجن لمجرد إلقائه خطاباً سياسياً كرر فيه أبياتاً من الشعر نظمها شاعر تركي قديم (محمد عاكف) قال فيها: «المساجد ثكناتنا.. والقباب خوذنا.. والمآذن حرابنا.. والمؤمنون جنودنا»، فانتدب عبد الله غول بديلاً منه رئيساً للحكومة، حتى إذا أنهى اردوغان عقوبته قدم غول استقالته ليترشح اردوغان وتسلم زعامة الحزب ورئاسة الحكومة، وشكل ذلك نموذجاً راقياً للعمل الحزبي الإسلامي ما زالت التجربة التركية تشكل مثالاً له حتى يومنا هذا.
كانت تركيا قبل حكومة نجم الدين اربكان عام 1996 وحكومات طيب رجب اردوغان منذ عام 2002 مجرد عضو تابع في حلف شمال الأطلسي، مدينة لصندوق النقد الدولي، تعاني اضطراباً سياسياً واقتصادياً كبيراً، وكان الفساد - المالي والسياسي - أبرز معالم السلطة.. بينما هي تستجدي الانضمام الى الاتحاد الأوروبي، فإذا بها اليوم تُقرض الأقطار المتعثرة، وتبيع الطاقة الكهربائية الى أقطار متطورة (ومنها لبنان) دون أن تملك أي ثروة نفطية، بل يفاوضها البنك الدولي ليقترض منها خمسة مليارات دولار، وتشكل عاصمتها السياحية والتجارية (استامبول) مركزاً تجارياً وسياسياً عالمياً يكاد يلغي أدوار باريس ولندن وموسكو وغيرها، كمركز لعقد المؤتمرات وحل الأزمات وتلاقي كبار المسؤولين في العالم..
تركيا هذه تتحول أبرز ساحات عاصمتها هذه (ساحة تقسيم) الى بؤرة للفوضى والتخريب وتدمير المؤسسات واحراق السيارات، لمجرد أن مجموعات من الشباب عصفت برؤوسهم أفكار ورثوها عن الأحزاب القديمة (الشيوعية الماوية أو الستالينية) التي لم يعد لها وجود إلا في مخيلات مئات أو عشرات من اليافعين، رافعين لواء الاحتجاج على حكومة أردوغان لمجرد أنها قررت بناء مركز تجاري في ساحة تقسيم، أو انشاء ثكنة على النمط العثماني (تتضمّن مسجداً) في حديقة «غازي بارك»، أو انشاء جسر ثالث على مضيق البوسفور يحمل اسم «السلطان سليم».. وقد خرج نائب رئيس الوزراء (خلال غياب أردوغان في رحلة بشمال افريقيا) ووعد المتظاهرين بإجراء استفتاء لأهل المنطقة قبل اجراء أي تعديل في ساحة تقسيم.. كما أنهم نقموا على اجراءات اتخذتها وزارة الداخلية حول حظر بيع المشروبات الكحولية بعد العاشرة ليلاً وما الى ذلك من توجهات أخلاقية.. كل ذلك لم يرض الشباب الناقمين. الى أن رجع أردوغان، واستقبلته في مطار أتاتورك حشود من المواطنين تفوق عدد المتظاهرين في «تقسيم» دون توجيه دعوة من أحد.. فتراجع عدد الناقمين، لأن بعضهم لم يكن يسعى للاساءة الى بلده ولا الى اقتصاده.. وتراجع العدد الى عشرات.. ثم تلاشى وأخلى الجميع الساحة بعد استعمال الغازات المسيلة للدموع وخراطيم المياه.
تساءل كثيرون من المراقبين: لماذا الآن تقع أحداث العنف والتخريب في تركيا.. ولماذا في استامبول تحديداً؟!
الجواب جاء سريعاً على لسان أكثر من مسؤول في المنطقة وأكثر من وسيلة اعلامية. أول جواب جاء على لسان وزير اعلام النظام السوري (عمران الزعبي) حين أصدر أول بيان رسمي ضدّ ما حدث في استامبول، وقال ان العنف الذي مارسته قوات الأمن التركية غير مبرّر. ولا أريد هنا اضافة أي تعليق على هذا الكلام، فما قامت به طائرات ودبابات جيش النظام في سوريا كان اجرامه لا يقاس بما فعله الأتراك. أما وسائل الإعلام المدفوعة الأجر فقد قالت بصراحة ووضوح إن استامبول لم تعد صالحة للسياحة والاصطياف، لا سيما بعض الأبواق اللبنانية التي تحترف مهاجمة استامبول والقاهرة وتونس وصنعاء، بمبرّر وبدون مبرّر، فقط من أجل اثبات أن الثورات العربية فاشلة ومخرّبة ولم تحقق شيئاً من أهدافها، لا سيما ذات التوجهات الإسلامية، سواء نجحت أو هي في طريقها الى النجاح.
اذن، سوف تنتهي أحداث العنف والتخريب في تركيا، لأنها لا تدافع عن حق ولا تطالب بحق. ولسوف يثبت الشعب التركي المسلم.. ومعه المصري واليمني والسوري والتونسي.. أنه ما زال في طريق الارتقاء، وهو صعب وتتخلله عقبات.. لكنه واصل الى النصر، الى القمة ان شاء الله. وقدَر الشعوب الساعية الى الحرية والتوّاقة الى الديمقراطية النجاح، فضلاً عن أن يكون سعيها مركزاً على تحقيق مشروعها الإسلامي، ليس بالقوة ولا بالقهر وانما بالحكمة والموعظة الحسنة. والجماهير المؤمنة ليس أمامها خيار سوى اعتماد هذا الطريق، سواء كانت مصرية أو تركية، عربية أو أعجمية.. ومن يراقب ما يدور على الساحة السورية يدرك تماماً أن القضية ليست قضية جيش حرّ، أو جبهة النصرة، أو كتائب الحق أو كتائب الفاروق.. فكل هذا أسماء لمسمّيات يجمع بينها «الإسلام»، وصدق الله إذ قال >ان الدّين عند الله الإسلام< صدق الله العظيم.