وهكذا ينتهي رمضان
بإغلاق صفحة المحكمة وتسوية حادث الثلاثاء
لا يكاد البلد يخرج من أزمة حتى يقع في مثلها أو أسوأ منها. وكأن عملية الخروج من الأزمة تستدعي بالضرورة أن تأتي أزمة أخرى، ينشغل بها اللبنانيون ووسائل الإعلام، حتى يمكن الخروج من الأزمة الأولى. هذا ما وقع يوم الثلاثاء 24 آب الفائت. فقد كان موضوع المحكمة الدولية في أوجه، وقد كلف ذلك الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله خمس اطلالات اعلامية حتى يستبق القرار الظني (الاتهامي) بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وما كان قبلها وما جاء بعدها، حتى يدين عمل المحكمة الدولية ويثبت انحيازها وتسييسها.. وفجأة يلعلع الرصاص في أحياء العاصمة بيروت، وتنطلق القذائف الصاروخية نتيجة «حادث فردي» بين «حليفين سياسيين»: حزب الله وجمعية المشاريع الخيرية الإسلامية، وقع عند وقت الافطار في منطقة «برج أبو حيدر»، فأقفل ملف المحكمة، وتأجل الحديث عن القرار الظني، واتجه الناس نحو معالجة تداعيات الحدث الجديد.
راجت في الساحة الإعلامية والسياسية افتراضات ومعطيات كثيرة، بعضها تحدث عن عملية تصفية حسابات سورية - ايرانية، وبعضها الآخر عن دور جديد يُعطى لجمعية المشاريع في الساحة الإسلامية البيروتية، وبعضها ذهب بعيداً بالحديث عن عملية تصفية مقصودة لمسؤول حزب الله في المنطقة «محمد فواز» باعتبار أنه كان من الذين استمعت اليهم وحققت معهم لجنة التحقيق الدولية، وأنه قضى قنصاً من مكان بعيد.. كل هذا يجري تداوله بانتظار التحقيق الذي تجريه الشرطة العسكرية، باعتبار أن الجيش هو الذي طوّق الحادث، وهو الذي اعتقل عدداً من المتهمين، سواء في منطقة برج أبو حيدر، أو بإطلاق الرصاص والقذائف واحراق مسجد البسطة الفوقا، الذي توجه اليه المسلحون امعاناً في الانتقام من جمعية المشاريع التي تشرف على المسجد.
يستغرب البعض حدوث اشتباكات واسعة النطاق بين حليفين، وقد أقام «الأحباش» قبل أيام من الحادث حفل تكريم لوفد من حزب الله خلال حفل افطار، ويوم الحادث كان «الأحباش» يقيمون حفل افطار لوفد من حركة أمل، وفي اليوم التالي للحادث ذهب وفد من الجمعية الى دمشق لعقد لقاء مع اللواء رستم غزالة الذي كان يدير الاستخبارات السورية في لبنان، وبعد عودة الوفد قام رئيس الجمعية الشيخ حسام قراقيرة بزيارة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله.. فالفصيلان حليفان يقيناً، وما دام الأمر كذلك فلماذا وقع الاشتباك (الفردي) الذي سقط فيه قتلى وجرحى وأحرق مسجد ودمرت محال تجارية وأحرقت سيارات واختطف بعض رموز «الأحباش» من منازلهم؟!
نصدّق أن الحادث بدأ فردياً، وأن قيادة الطرفين عملت جاهدة على تطويقه ومعالجة تداعياته، لكن لماذا تطور وانتشر ليشكل محطة جديدة من محطات الحرب اللبنانية، فقد بات يوصف أنه «الثلاثاء الأسود» كما كان يوصف «السبت الأسود» عام 1975، وكما يصف (البعض) يوم 7 أيار 2008 بأنه يوم أسود كذلك؟
الاجابة عن هذا السؤال تستدعي وقفة متأنية عند الخطاب السياسي لبعض القوى اللبنانية، فهي تلقي بالكلام عبر المنابر الإعلامية وفي الساحات الشعبية، ويتدحرج الكلام الذي يتضمن اتهامات وادانات وحملات تخوين لتفعل فعلها لدى جمهور المستمعين والمشاهدين، وهؤلاء يفكرون أحياناً بنزواتهم وأحياناً بسواعدهم وعضلاتهم، فيقع القتل والخطف والاحراق والتدمير، ويغيب المسؤولون عن السمع أو أن الهواتف تقفل في وجوههم، فيقع المحظور ويدفع المواطن ثمن ذلك، كما يدفعه الوطن كله. وهنا يبقى السؤال مطروحاً ويحتاج الى اجابة: لماذا يقتل مسؤول حزب الله في المنطقة (محمد فواز) رشقاً بالرصاص أو قنصاً عن بعد؟! ولماذا يتسع نطاق الصراع ليغطي منطقة واسعة لا يستطيع الجيش اللبناني دخولها الا بعد ساعات.. ولماذا يجري احراق مسجد في منطقة البسطة البعيدة عن ميدان الاشتباك، ولماذا تتلاشى التحالفات السياسية بين الحلفاء لتحل محلها التباينات الطائفية والمذهبية.. ولماذا لا تستجيب العناصر المسلحة في الشارع لتوجيهات ومناشدات «القيادات»؟! ربما لأن لهؤلاء أكثر من وجه، الأول يمارسون فيه السياسة والخطاب الإعلامي، والثاني يتحدثون به في الغرف المغلقة والتوجيهات الداخلية، وهكذا تسقط ولاءات 8 آذار و14 آذار، وينزل الشباب مسلحين الى الشارع تعاطفاً مع هذا الشارع ضد ذاك، بصرف النظر عن الفكر أو الولاء الحزبي والسياسي.
صحيح أن زيارة دمشق التي قام بها الرئيس سعد الحريري امتصت معظم شرارات الأزمة، كما الزيارة التي قام به الشيخ قراقيرة للأمين العام لحزب الله، وكذلك نزول الطرفين الى الشارع من أجل تقدير الأضرار وصرف بعض التعويضات، لكن الجرح يبقى رغم وقف النزف، والساحة اللبنانية لم تعد تحتمل المزيد من المزايدات والمشاحنات، ومن حقها أن تقلب الطاولة في وجه الذين يمارسون السياسة بأسلوب المقايضة والمناورة، وقد وقع شيء من هذا لدى قواعد هذا التيار وذاك، فلماذا حفلات التكريم والافطارات وتبادل الزيارات اذا كانت القلوب مشحونة بالبغض والعداوة؟ ولماذا يجري اطلاق الرصاص اليوم ثم يضطر الطرفان للتحالف السياسي، كأن الأوامر تأتي معلبة، غير مفهومة ولا مبرّرة؟
وماذا بعد، لقد انطوت صفحة بائسة في سجل الحياة السياسية اللبنانية. كما انطوت قبلها صفحة المحكمة الدولية والقرار الاتهامي، ومعها صفحة شهود الزور ومعطيات الأمين العام لحزب الله. فالمحكمة مؤجلة الى ما شاء الله، وقد حمل هذا الوعد العاهل السعودي خلال زيارته مع الرئيس الأسد الى بيروت، وبالأمس قال المدّعي العام دانيال بلمار كلاماً فهم منه أن القرار الظني مؤجل، وأن احتمال عدم صدوره وارد كذلك إذا لم يجد بلمار أدلة قاطعة في التحقيات التي جرت.. حتى موضوع المحكمة قد يكون مطروحاً على مجلس الوزراء عند اقرار الميزانية العامة، ومنها نصيب لبنان في تكاليف المحكمة، وقد يكون الرئيس الحريري أمام خيارين: أن يقبل بالمشاريع المطروحة كالفصل بين المحكمة والقرار الظني، أو تأجيله الى ما شاء الله.. في مقابل أن يسحب حلفاء (8 آذار) وزراءهم من الحكومة، وهكذا تسقط الحكومة ويدخل البلد في أزمة حكم جديدة، لا يستطيع معها لتمويل المحكمة ولا تنفيذ طلباتها ولا نقل الشهود أو المتهمين اليها.. وهنا لا نملك الا أن نسأل الله العافية، للوطن والمواطنين.}